محمد بن جرير الطبري
111
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأقوال عندي بالصواب مستحق الزكاة ، قول من قال : الفقير : هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع ، والمسكين : هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم . وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة ، لإجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطي من الصدقة المفروضة بالفقر ، وأن معنى المسكنة عند العرب : الذلة ، كما قال الله جل ثناؤه : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ يعني بذلك الهون ، والذلة لا الفقر . فإذا كان الله جل ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسما بالفقر فجعلهم صنفين ، كان معلوما أن كل صنف منهم غير الآخر . وإذ كان ذلك كذلك كان لا شك أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة ، والفقير المعطي ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه ، والمعطي باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة ، وهي الذل بالطلب والمسألة . فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه : إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل ، والمتذلل منهم الذي يسأل ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك خبر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين بالذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، إنما المسكين مستحق الزكاة المتعفف ؛ اقرءوا إن شئتم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما المسكين المتعفف " على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين ، لا على تفصيل المسكين من الفقير . ومما ينبئ عن أن ذلك كذلك ، انتزاعه صلى الله عليه وسلم لقول الله : " اقرءوا إن شئم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر ، فقال لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وقوله : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة في قبضها من أهلها ، ووضعها في مستحقيها مستحق الزكاة يعطون ذلك بالسعاية ، أغنياء كانوا أو فقراء . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا معقل بن عبيد الله ، قال : سألت الزهري عن العاملين عليها مستحق الزكاة ، فقال : السعاة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها قال : جباتها الذين يجمعونها مستحق الزكاة ، ويسعون فيها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها مستحق الزكاة الذي يعمل عليها . ثم اختلف أهل التأويل في قدر ما يعطي العامل من ذلك ، فقال بعضهم : يعطي منه الثمن مستحق الزكاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن حسن بن صالح ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : للعاملين عليها مستحق الزكاة الثمن من الصدقة . حدثت عن مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَالْعامِلِينَ عَلَيْها مستحق الزكاة قال : يأكل العمال من السهم الثامن . وقال آخرون مستحق الزكاة : بل يعطى على قدر عمالته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن الأخضر بن عجلان ، قال : ثنا عطاء بن زهير العامري ، عن أبيه زهير العامري ، أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص ، فسأله عن الصدقة : أي مال هي ؟ مستحق الزكاة فقال : مال العرجان والعوران والعميان وكل منقطع به . فقال له : إن للعاملين حقا والمجاهدين . قال : إن المجاهدين قوم أحل لهم وللعاملين عليها على قدر عمالتهم . ثم قال : لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة